الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها » . [ 20 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 20 ] لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ ( 20 ) أعيدت بشارة الذين اجتنبوا الطاغوت تفصيلا للإجمال الواقع من قبل . وافتتح الإخبار عنهم بحرف الاستدراك لزيادة تقرير الفارق بين حال المؤمنين وحال المشركين والمضادة بينهما ، فحرف الاستدراك هنا لمجرد الإشعار بتضادّ الحالين ليعلم السامع أنه سيتلقى حكما مخالفا لما سبق كما تقدم في قوله تعالى : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ في سورة الأعراف [ 143 ] ، وقوله : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ في سورة براءة [ 46 ] ، فحصل في قضية الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت تقرير على تقرير ابتدئ بالإشارتين في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 18 ] ثم بما أعقب من تفريع حال أضدادهم على ذكر أحوالهم ثم بالاستدراك الفارق بين حالهم وحال أضدادهم . والمراد بالذين اتقوا ربهم : هم الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وأنابوا إلى اللّه واتبعوا أحسن القول واهتدوا بهدي اللّه وكانوا أولي الألباب ، فعدل عن الإتيان بضميرهم هنا إلى الموصول لقصد مدحهم بمدلول الصلة وللإيماء إلى أن الصلة سبب للحكم المحكوم به على الموصول وهو نوالهم الغرف . وعدل عن اسم الجلالة إلى وصف الرب المضاف إلى ضمير المتقين لما في تلك الإضافة من تشريفهم برضى ربهم عنهم . واللام في لَهُمْ للاختصاص . والمعنى : أنها لهم في الجنة ، أي أعدت لهم في الجنة . والغرف : جمع غرفة بضم الغين وسكون الراء ، وهي البيت المرتكز على بيت آخر ، ويقال لها العلّيّة ( بضم العين وكسرها وبكسر اللام مشدّدة والتحتية كذلك ) وتقدمت الغرفة في آخر سورة الفرقان [ 75 ] . ومعنى مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ أنها موصوفة باعتلاء غرف عليها وكل ذلك داخل في حيّز لام الاختصاص ، فالغرف التي فوق الغرف هي لهم أيضا لأن ما فوق البناء تابع له وهو المسمّى بالهواء في اصطلاح الفقهاء . فالمعنى : لهم أطباق من الغرف ، وذلك مقابل ما جعل لأهل النار في قوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] .